المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الذكاءات إنها كالكهرباء لا ندركها مباشرة بل بآثارها



Rise Company
20-09-2016, 08:43
الذكاءات


للذكاء أهميته الخاصة في حياة كل إنسان؛ فهناك علاقة قوية بين الذكاء والتحصيل الدراسي والنجاح الأكاديمي؛ فكلمّا زاد الذكاء ازداد التحصيل، وحقق الفرد نجاحاً دراسياً متميزاً. وثمة علاقة قوية بين الذكاء والنمو الأكاديمي أثناء الدراسة الرسمية وبعد انتهائها. فالمتخلفون عقلياً ينخفض تحصيلهم عن أقرانهم من العمر نفسه، ويكون تقدمهم الأكاديمي أبطأ من متوسطي الذكاء أو الأذكياء. ويتفاوت هذا البطء تبعاً لدرجة التخلف العقلي؛ فكلما زاد التخلف كان البطء أكبر.
وللذكاء أهميته في التوجيه التربوي والمهني؛ بمعنى توجيه الفرد للدراسة التي تتناسب مع مستوى ذكائه وإعداده للالتحاق بها، ثم نجاحه فيها. وكل هذا تمهيد للالتحاق بالمهنة التي تتناسب مع مستوى ذكائه. فذووا الدرجات المنخفضة في الذكاء يصلحون للأعمال غير الخطرة الآمنة، التي تتميز بالآلية ولا تحتاج إلى تفكير خالص وإدراك للعلاقات. وهذا على خلاف مرتفعي الذكاء. كذلك، بينت الدراسات وجود علاقة بين الذكاء العملي ومستوى الخبرة والأداء.
وللذكاء دوره في الصحة النفسية للأفراد؛ فالأكثر ذكاءً يكون –عادة- أكثر قدرة على التكيف مع المواقف المختلفة، وأكثر قدرة على فهم وتفسير سلوك الآخرين. كما يكون أكثر قدرة على حل ما يواجهه من مشكلات. وقد وجد أن من عوامل انحراف الأحداث انخفاض نسبة الذكاء. وثمة نوع من الذكاء يسمى "الذكاء الانفعالي" أو "الوجداني" يتضمن عدة مكونات، منها: إدراك المشاعر والتعبير عنها، واستخدام المشاعر للتأثير في عمليات التفكير، وفهم الفرد واستبصاره بالعلاقات بين أنواع المشاعر المختلفة، وتنظيم ومراقبة وضبط الانفعالات. ولهذه المكونات دورها في التعامل الاجتماعي والتوافق الشخصي. وللذكاء الوجداني دوره في العمليات النفسية؛ فبعض المرضى النفسيين تنقصهم مهارات الذكاء الوجداني، مثل ضعف إدراك تعبيرات الوجه وتوقع ردور الأفعال الانفعالية.
وللذكاء أهميته للمجتمعات؛ لأنه يمثل أغلى عناصر الثروة. فالأمة التي تستثمر ذكاء أبنائها تزيد إنتاجيتها وثقافتها، والأمة التي تعمل على تنمية ذكاء أبنائها تتقدم في ركب الحضارة والتفوق. وقد بينت الدراسات تزايد نسبة الذكاء من جيل إلى آخر، وذلك نتيجة لتفاعل العوامل البيولوجية، مع العوامل البيئية والثقافية.



أولاً: تعريف الذكاء


حاول أحد العلماء حصر تعريفات الذكاء، فتوصل إلى ما يزيد عن 5000 تعريف. لذلك وُضع تصنيف لبعض تعريفات الذكاء يتضمن أربع فئات:
النوع الأول: يهتم التعريف بتكيف الفرد أو توافقه مع البيئة، مثل تعريف الذكاء بأنه: "القدرة على التكيف بنجاح مع ما يستجد في الحياة".
النوع الثاني: الذكاء هو القدرة على التعلم، مثل تعريف الذكاء بأنه: "القدرة على اكتساب الخبرات والإفادة منها".
النوع الثالث: يُعرف الذكاء بأنه: "القدرة على التفكير المجرد".
النوع الرابع: وهذا النوع من التعريفات أكثر اتساعاً في نظرته للذكاء من الأنواع السابقة، ومن أمثلته تعريف الذكاء بأنه: "القدرة الكلية لدى الفرد على التصرف الهادف، والتفكير المنطقي، والتعامل المُجدي مع البيئة".
وإذا كان هربرت سبنسر هو أول من استخدم مصطلح الذكاء، فإنه قد عرّف الذكاء بأنه: "القدرة على الربط بين خبرات عديدة منفصلة".
ومن التعريفات الحديثة للذكاء تعريف سترنبرج بأنه: "القدرة على تحليل وتقييم الأفكار وحل المشكلات، والقدرة على إنتاج أفكار جديدة والاستخدام غير التقليدي للأفكار القديمة، وقدرة الفرد على المواءمة بين قدراته وحاجاته، من ناحية، وبين متطلبات البيئة، من ناحية أخرى".


والسؤال: لِمَ اختلفت تعريفات الذكاء وتعددت إلى هذا الحد؟

يرجع ذلك إلى عوامل متعددة، منها:
1. أن الذكاء لا يُدرَك مباشرة؛ إنه كالكهرباء لا ندركها مباشرة بل بآثارها، مثل الإضاءة وحركة المروحة. كذلك الذكاء لا يُدرَك إلا من طريق آثاره ونتائجه، التي تبدو في التحصيل الدراسي والتوافق الشخصي والاجتماعي، أو إدراك للعلاقات وخاصة المجردة... إلخ.
2. اختلاف اهتمامات العلماء في النظر إلى الذكاء؛ فمن العلماء من اهتم ببنية الذكاء، ومنهم من اهتم بالعمليات المعرفية للذكاء، ومنهم من اهتم بالعمليات البيولوجية للذكاء، ومنهم من اهتم بمعيشة الإنسان في حياته اليومية. وقد يرجع ذلك الاختلاف إلى التوجهات والأهداف، التي يسعى إليها العلماء: هل هي توجهات نظرية، أم توجهات عملية تطبيقية في المجال التربوي والصناعي والعسكري والسياسي؟
3. تأثر مظاهر السلوك التي تُعبر عن الذكاء بالسياق الاجتماعي الثقافي وبتاريخ النشأة والنمو. فلقد رأت سيكولوجية الملكات في العصور الوسطى أن الذكاء إحدى ملكات العقل. وعندما تقدمت الإحصاء في العصر الحديث، تعددت النظرة للذكاء؛ فمن العلماء من عدّه قدرة عقلية عامة تشترك بنسب مختلفة في سائر القدرات، ومنهم من عدّه إحدى القدرات في بنية العقل. وفي السبعينيات من القرن الماضي، رأت نظرية المعلومات أن الإنسان مخلوق عاقل مفكر باحث عن المعلومات، ومجهز لها ومبتكر فيها. وأن العملية الأولية لتناول وتجهيز المعلومات هي الوحدة التي يمكن أن يحلل إليها النشاط العقلي المعرفي للإنسان، والذي يُعَد محصلة لمجموعة من العمليات الأولية البسيطة. وهي عمليات أولية لا يمكن تحليلها إلى عمليات أبسط منها في إطار مهام محددة. وكثيراً ما استُخدمت هذه التصورات برامج الحاسب الآلي كنموذج لفهم الإنسان وتناوله للمعلومات.
4. اختلاف النظرة إلى دور الوراثة والبيئة في الذكاء. فمن العلماء من رأى أن الوراثة هي المحدد الأساسي للذكاء، والدليل على ذلك تشابه نسب ذكاء التوائم المتماثلة بدرجة تفوق تشابه نسب ذكاء التوائم الأخوية، وتشابه نسب ذكاء الأخوة الأشقاء بدرجة تفوق نسب ذكاء الأخوة غير الأشقاء. ومن العلماء من رأى أن البيئة هي المحدد الأساسي للذكاء، والدليل على ذلك أثر التخلف الثقافي على نقص ذكاء الأطفال. ومن العلماء من رأى أن تفاعل الوراثة مع البيئة هو المحدد الأساسي للذكاء؛ والدليل على ذلك الاختلاف القليل في نسب ذكاء التوائم المتماثلة، إذا ما رُبي كل واحد منهما منفصلاً عن الأخر في بيئة مختلفة.
5. تفاوت مدى اتساع السلوك الذي يدخل في الذكاء؛ فالمجال الأكاديمي يتضمن الأنماط السلوكية التي تظهر في العمل المدرسي. والمجال الاجتماعي يتضمن الأنماط السلوكية التي تظهر في التفاعل الاجتماعي. والمجال الشخصي يتضمن الأنماط السلوكية الخاصة بتقدير الذات وفهمها... إلخ. وقد أدى ذلك إلى تنوع الذكاءات.



ثانياً: أنواع الذكاءات


يحفل التراث النفسي بالعديد من النظريات التي حاولت تفسير الذكاء؛ منها من عَدّ الذكاء أحادياً، أي أن له مكوناً واحداً هو العامل العام، الذي يدخل بدرجات متفاوتة في سائر قدرات العقل البشري وأداءاته. ومنهم من عَدّ الذكاء متعدد المكونات، أي يتضمن مكوناً لفظياً وآخر عملياً، إضافة إلى مكون أعم هو السّابق الإشارة إليه على أنه العامل العام.
فإذا انتقلنا إلى أنواع الذكاءات، نجد، أيضاً، تعدد وجهات النظر. ولعل أولى المحاولات هي ما أشار إليه ثورنديك من أن العمليات العقلية تكون نتيجة لعمل الجهاز العصبي. وقد فسّر الذكاء على أساس الوصلات العصبية بين المثير والاستجابة. ويترتب على ذلك أن كل أداء عقلي هو عنصر مستقل عن غيره من العناصر؛ لأن الوصلات العصبية اللازمة لأداء عمل عقلي معين تختلف عمّا يتطلبه أداء عمل عقلي آخر. وبناءً على ذلك، اقترح أنواعاً ثلاثة للذكاء، استناداً إلى نوع الوصلات العصبية:
1. الوصلات العصبية الخاصة بمعالجة الألفاظ والرموز، تكَوِّن الذكاء المجرد.
2. الوصلات العصبية الخاصة بمعالجة الأشياء والمواد العيانية، تكَوِّن الذكاء الميكانيكي.
3. الوصلات العصبية الخاصة بالقدرة على فهم وإدراك العلاقات الاجتماعية والتعامل بفاعلية مع الآخرين، تكَوِّن الذكاء الاجتماعي.
قدم كاتل نموذجاً هرمياً للذكاء على قمته عامل عام. ويوجد في المستوى الثاني نوعين من الذكاء، هما: الذكاء المتبلور، والذكاء السائل. والذكاء المتبلور هو الذكاء اللفظي، الذي ينتُج عن التربية وتراكم المعلومات والمهارات في ثقافة معينة. أما الذكاء السائل، فهو ذكاء مجرد متصل بعمليات التفكير الأساسية، بصرف النظر عن المعلومات المكتسبة من خلال الثقافة.
ووفقاً لنظرية سترنبرج، توجد ثلاثة أنواع مختلفة من الذكاء، هي: الذكاء التحليلي، والذكاء الإبداعي، والذكاء العملي.
1. الذكاء التحليلي: ويتضمن القدرة على تحليل وتقييم الأفكار وحل المشكلات.
2. الذكاء الإبداعي: ويتضمن القدرة على التعامل مع المواقف والمثيرات الجديدة بشكل توافقي، يؤدي إلى حل مشكلة قديمة، أو إلى إنتاج منتج إبداعي جديد.
3. الذكاء العملي: ويتضمن القدرة على فهم وتحليل المواقف في الحياة اليومية والاستفادة منها، وهو قدرة الفرد على المواءمة بين قدراته وحاجاته، من ناحية، وبين متطلبات البيئة، من ناحية أخرى، وعلى تشكيل بيئته بما يحقق له التكيف.
ووفقاً للنموذج الرباعي للعمليات المعرفية، الذي وضعه فؤاد أبو حطب، فإن للذكاء ثلاثة أنواع:
1. الذكاء الموضوعي: هو في جوهره عمليات التعامل مع المعلومات المحايدة من النوع المادي، الذي ينتمي إلى العالم المادي الخارجي، والذي تتخذ صوره الأشياء (الحقيقية أو التمثيلية أو المصورة) والرموز.
2. الذكاء الاجتماعي: هو إدراك العلاقات بين الأشخاص. ويشمل الإدراك الاجتماعي، وإدراك الأشخاص، وكل المواد والرموز التي تستخدم اجتماعياً. ويتضمن المعايشة والتعاطف والتفاعل المتبادل.
3. الذكاء الشخصي: ويُقصد به حسن المطابقة بين التقرير الذاتي للمفحوص عن عالمه الداخلي، ومحكات موضوعية مرتبطة تقبل الملاحظة الخارجية.
ويرجع فؤاد أبو حطب إلى السؤال التقليدي: "هل في العقل الإنساني من العمليات والوظائف ما يؤدي إلى وحدته وتآزره وتكامله؟" ويُجيب على ذلك بأن هناك قدرة تُعد أعلى القدرات هي "الحكمة"، وهي القدرة التي تتوازن عندها جوانب المعرفة والوجداني والفعل في السلوك الإنساني، من ناحية، وهي القدر المشترك بين الذكاء الموضوعي والاجتماعي والشخصي، من ناحية أخرى.
وفي وقت لاحق على وضع فؤاد أبو حطب لنموذجه الرباعي للعمليات المعرفية، وتحديده لأنواع الذكاء الثلاثة، أصدر جاردنر كتابه "أطر العقل"؛ ثم أصدر عدة كتب ومقالات تضمنت أنواعاً



متعددة للذكاء:


1. الذكاء اللغوي: وهو تمكُّن الفرد من اللغة واستخدامها شفوياً وتحريرياً. ويُعد الشعراء والأدباء والخطباء مثالاً واضحاً للذكاء اللغوي، وكذلك المحامين والمعلمين.
ويظهر الذكاء اللغوي في تناول اللغة ومعالجتها، والتعامل مع أصوات اللغة، والمعاني، واستخدام اللغة في الشرح والتوضيح والإقناع، وتذوق القوائم اللفظية المختلفة، كالأشعار والقوافي، وتذوق اللغة عموماً.
2. الذكاء الرياضي المنطقي: وهو القدرة على الاستدلال الاستقرائي والاستنباطي وحل المشكلات المجردة وفهم العلاقات المعقدة. ويرتفع هذا الذكاء لدى المحاسبين ومبرمجي الكمبيوتر وعلماء الرياضيات.
ويظهر الذكاء الرياضي المنطقي في استعمال الأرقام والرموز، وإدراك العلاقات المنطقية، أو الوصول إلى الاستدلالات بسرعة، والقدرة على التصنيف، والتعميم، ووضع الفروض والتخطيط لاختبارها.
3. الذكاء البصري المكاني: وهو القدرة على إدراك العالم البصري والتصور المكاني. ويتضمن إعادة تكوين الخبرات البصرية. ويرتفع هذا الذكاء لدى المهندسين والرسامين.
ويظهر هذا الذكاء في القدرة على إدراك الخطوط والأشكال والألوان والعلاقات المكانية، وتمثيل البيانات بصرياً ومكانياً، والقدرة على التوجه السليم في المكان.
4. الذكاء الجسمي الحركي: وهو القدرة على الاستثمار الأمثل لجسد الفرد في التعبير عن المشاعر والأفكار. ويتضمن مهارات فيزيقية، كالتآزر والتوازن والسرعة والمرونة والإحساس بحركة الجسم بهدف الوصول إلى حل مشكلة ما، أو صنع شيء ما. ويرتفع هذا النوع من الذكاء لدى الرياضي والراقص والممثل والجراح.
ويظهر هذا الذكاء في السيطرة على أجزاء الجسم لأداء حركة ما، أو لمعالجة شيء ما، والإحساس بحركة الجسم ووضعه.
5. الذكاء الموسيقي: وهو القدرة على إدراك الصّيغ الموسيقية والإيقاع، والتفكير في الموسيقى، والتفاعل ببراعة ومهارة مع القوالب الموسيقية. ويرتفع هذا النوع من الذكاء لدى الناقد والملحن والمؤلف الموسيقي والعازف.
ويظهر هذا الذكاء في الإحساس بجودة الصوت وباتجاهه، وتأليف النغمات، وفهم البناء الموسيقي، والحساسية للإيقاع واللحن.
6. الذكاء الاجتماعي: وهو القدرة على فهم وإدراك تصرفات الآخرين، والحساسية للتغيرات الطفيفة في أمزجتهم ومقاصدهم ودوافعهم ومشاعرهم، والتمييز بينها والقدرة على الاستجابة بفاعلية لتلك المؤشرات. ويرتفع هذا الذكاء لدى الأخصائيين الاجتماعيين والمرشدين النفسيين والمدرسين.
ويظهر هذا الذكاء في تقييم الأفراد تقييماً دقيقاً فعّالاً، وفي فهم الحالات المزاجية للآخرين ومشاعرهم، والقدرة على قراءة تعبيرات الوجه، والقدرة على حل مشاكل الآخرين.
7. الذكاء الشخصي: وهو القدرة على فهم الذات ومعرفتها، وما لدى الفرد من إمكانات حتى يمكنه التصرف في ضوئها. وهو، كذلك، القدرة على فهم المشاعر الذاتية والتصرف الذي يتناسب مع تلك المعرفة.
ويظهر هذا الذكاء في تكوين الفرد لصورة دقيقة عن نواحي قوته وضعفه، والوعي بالمزاج الشخصي والدوافع الذاتية، والقدرة على تأديب الذات وتقديرها، والثقة في فهم الفرد لذاته، والقدرة على تكوين أهداف واقعية والتخطيط لتحقيقها، في ضوء إمكانيات الفرد.
8. الذكاء الطبيعي: وهو القدرة على فهم وتقدير العالم الطبيعي والبيئة حولنا، والاستمتاع بالطبيعة والتأثير الإيجابي على النفس، والإحساس بالسعادة عند التعامل مع الكائنات الطبيعية، والتعامل الفعّال مع البيئة. ويرتفع هذا الذكاء لدى علماء البيئة والجغرافيين وعلماء النبات والحيوان.
ويظهر هذا الذكاء في قدرة التعرّف على عناصر الطبيعة، وتصنيف الأشياء فيها، وفضلاً عن فهم الطبيعة وتقديرها والتواصل معها والإحساس والاستمتاع بها.
9. الذكاء الوجودي أو الميتافيزيقي: وهو القدرة على التأمل ووضع أسئلة حول الحياة والموت، والقدرة على معالجة الأسئلة التي تتعلق بالوجود الإنساني. ويرتفع هذا الذكاء لدى الفلاسفة وعلماء الدين.
ويظهر هذا الذكاء في القدرة على التأمل والقدرة على وضع أسئلة خاصة بالوجود.
وثمة نوع آخر أشار إليه جاردنر هو الذكاء الروحي، إلاّ أنه يحتاج إلى المزيد من الدراسة. ويتضمن مجموعة من القدرات والاستعدادات، التي تمكِّن الفرد من حل المشاكل وتحقيق الأهداف في حياته اليومية. ومن أمثلة تلك القدرات: القدرة على التسامي والوعي الروحي، والحساسية لما هو مقدس، واستخدام المصادر الروحية في مواجهة مشاكل الحياة اليومية.
تعقيب
يتضح من العرض السابق تعدد أنواع الذكاء، وهنا يُثار السؤال الآتي: ما العوامل التي أدت إلى هذا التعدد؟
سبق عند تعريف الذكاء التعرض إلى بعض العوامل، التي أدت إلى تعدد التعريفات، وهي نفسها تسهم، أيضاً، في تعدد أنواع الذكاء. وثمة مجموعة أخرى من العوامل، منها:
· تعدد الأنشطة والأداءات والمظاهر الدالة على الذكاء، وفي الوقت نفسه عجز الاختبارات عن الإحاطة بجميع تلك المظاهر وما يكمن وراءها من قدرات؛ فكل اختبار يقيس مظهراً معيناً، أو عدة مظاهر للذكاء؛ ولكنه لا يقيس "كل" مظاهر الذكاء.
· تراكم المعلومات عن دراسة الذكاء، سواء من الناحية البيولوجية أو العقلية أو الثقافية. هذا التراكم جاء نتيجة عديد من الدراسات التي استخدمت مناهج متعددة، كالاستبطان أو القياس السيكومتري، واعتمدت على وسائل وأساليب متعددة، كالاختبارات أو الملاحظات الإكلينيكية. يُضاف إلى تراكم المعلومات، تطور أساليب ووسائل التحليل العلمي والإحصائي لنتائج الدراسات.
· مع الانفجار المعرفي الهائل، الذي يتعرض له الإنسان، لم تعد المشكلة هي معرفة المعلومة أو كيفية الوصول إليها؛ بل أصبحت المشكلة هي كيفية التفاعل معها بشكل إيجابي. وأدى هذا إلى إبراز أهمية فهم عمليات التفكير والذكاء، حتى يمكن الوقوف على كيفية التعامل بشكل إيجابي مع المعلومات.
· وضع الذكاء في إطار الشخصية، فالشخصية تنظيمان: تنظيم معرفي، يتضمن العمليات العقلية والمعرفية التي تساعد الإنسان على إدراك العالم وفهمه وتفسيره؛ وتنظيم وجداني يتضمن السمات الوجدانية في الشخصية، التي تساعد الإنسان على التعامل الناجح مع البيئة، وعلى تحقيق التوافق الشخصي والاجتماعي. والسؤال الذي يُثار في هذا الصدد: هل يُدرس الذكاء بمعزل عن بقية مكونات الشخصية؟ أو يدرس بحكم انتمائه للجانب العقلي المعرفي في الشخصية؟ أم لا يُعزل بحكم تفاعله مع بقية مكونات الشخصية بتنظيميها وبتفاعله مع الجهاز الحركي بالجسم؟
· زيادة الاعتراف بالفروق الفردية داخل الفرد. فلو أمكن رسم لوحة لذكاءات الفرد، لوُجد أن بعضاً من هذه الذكاءات يرتفع وبعضها ينخفض، بحيث يُصبح لكل فرد لوحة خاصة تميزه. وحتى يمكن الوصول إلى فهم أشمل لكل فرد على حدة، تعددت أنواع الذكاء.
ووفقاً لنظرية جاردنر، تكون الذكاءات مستقلة نسبياً ولكل منها طبيعتها المميزة للتعامل مع المشكلات والوصول إلى النتائج. كما أشار إلى أنها نادراً ما تعمل منعزلة، فكل فرد لديه درجات متفاوتة من كل الذكاءات، ولكن تتنوع طرق اندماجها واختلاطها بتنوع الأفراد.