بسم الله الرحمن الرحيم

فضل صلاة الضحى :



وردت أحاديث في فضل صلاة الضحى ، أذكر منها الأحاديث التالية :

عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال :" يصبح على كل سلامى[1]من أحدكم صدقة ؛ فكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" . أخرجه مسلم.[2]

عن أبي الدرداء و أبي ذر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الله عز وجل؛ أنه قال :" ابن آدم! اركع لي من أول النهار أربع ركعات ؛ أكفك آخره". أخرجه الترمذي.[3]

عن أبي هريرة ؛ قال : قال: " لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب" . قال: "وهي صلاة الأوابين". أخرجه ابن خزيمة والحاكم.[4]



حكم صلاة الضحى :



الأحاديث السابقة وأمثالها تبين أن الصلاة وقت الضحى حسنة محبوبة.[5]

وفيها ما يدل على مشروعية المداومة عليها.[6]

ولم يثبت ما يدل على وجوبها .



وقت صلاة الضحى :


يبدأ وقت صلاة الضحى من طلوع الشمس إلى الزوال .

وأفضله وقت اشتداد الشمس .

الدليل على ذلك ما يلي :
أما أول وقتها ؛ فيدل عليه حديث أبي الدرداء و أبي ذر السابق ، ومحل الشاهد فيه : "اركع لي من أول النهار أربع ركعات

وكذا ما جاء عن أنس رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى الغداة في جماعة ، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ، ثم صلى ركعتين[7]؛ كانت له كأجر حجة وعمرة ، تامة تامة تامة " . أخرجه الترمذي.[8]

وعن أبي أمامة ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى صلاة الصبح في مسجد جماعة ، يثبت فيه حتى يصلي سبحة الضحى ، كان كأجر حاج أو معتمر ؛ تاماً حجته وعمرته". أخرجه الطبراني .

وفي رواية :" من صلى صلاة الغداة في جماعة ، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس…" أخرجها الطبراني.[9]

أما خروج وقتها بالزوال ؛ فلأنها صلاة الضحى .



أما وقت الفضيلة فيها ؛ فيدل عليه ما جاء عن زيد بن أرقم ؛ أنه رأى قوماً

يصلون من الضحى ، فقال: أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" صلاة الأوابين حين ترمض[10]الفصال". أخرجه مسلم.[11]



عدد ركعات صلاة الضحى وصفتها :



يشرع للمسلم أن يصلي صلاة الضحى ركعتين أو أربع أو ست أو ثمان أو اثني عشرة ركعة.

يصليها ركعتين ركعتين إن شاء .

أما أنها تصلى ركعتين ؛ فيدل عليه حديث أبي ذر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة… (الحديث وفيه : ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى". أخرجه مسلم .[12]

أما أنها تصلى أربع ركعات ؛ فيدل عليه حديث أبي الدرداء و أبي ذر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الله عز وجل ؛ أنه قال : "ابن آدم! اركع لي من أول النهار أربع ركعات؛ أكفك آخره". أخرجه الترمذي[13].

أما أنها تصلى ست ركعات ؛ فيدل عليه حديث أنس بن مالك " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ركعات ". أخرجه الترمذي في "الشمائل"[14].



أما أنها تصلى ثمان ركعات ؛ فيدل عليه حديث أم هانئ ؛ قالت: "لما كان عام الفتح، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غسله ، فسترت عليه فاطمة ، ثم أخذ ثوبه ، فالتحف به ، ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى"[15]. أخرجه الشيخان.[16]



أما أنها تصلى اثني عشرة ركعة ؛ فيدل عليه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى الضحى ركعتين ؛ لم يكتب من الغافلين ، ومن صلى أربعاً ؛ كتب من العابدين ، ومن صلى ستاً ؛ كفي ذلك اليوم ، ومن صلى ثمانياً؛ كتبه الله من القانتين ، ومن صلى ثنتي عشرة ركعة ؛ بنى الله له بيتاً في الجنة ، وما من يوم ولا ليلة إلا لله من يمن به على عباده صدقة، وما من الله على أحد من عباده أفضل من أن يلهمه ذكره". أخرجه الطبراني.[17]



وقلت : وعلى هذه الأحاديث يحمل إطلاق السيدة عائشة رضي الله عنها لما سألتها معاذة : كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الضحى؟ قالت: "أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله". أخرجه مسلم.[18]

أما أنها تصلى ركعتين ركعتين ؛ فيدل عليه عموم قوله عليه الصلاة والسلام :" صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"[19].



وللمسلم أن يصلي الأربع متصلات ؛ كالصلاة الرباعية ، ويدل عليه إطلاق لفظ الأحاديث الواردة في ذلك ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم : " اركع لي من أول النهار أربع ركعات" ، وكقوله :" من صلى أربعاً ؛ كتب من العابدين". والله أعلم.



--------------------------------------------------------------------------------

([1]) سلامى : مفرد ، جمعه : السلاميات ، وهى مفاصل الأصابع ، ثم استعمل في جميع عظام البدن ومفاصله. "شرح مسلم للنووي" (5/233).

([2]) حديث صحيح .

أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب استحباب صلاة الضحى و أن أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات وأوسطها أربع ركعات أو ست والحث على المحافظة عليها ، حديث رقم 720) 0 وانظر: "جامع الأصول" (9/436).

([3]) حديث حسن .

أخرجه أحمد في "المسند" (6/440، 451) ، و أخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة ، باب ما جاء في صلاة الضحى ، حديث رقم 475).

والحديث قال عنه الترمذي :" حسن غريب" ، وصححه الشيخ أحمد شاكر في " تحقيقه" للترمذي، والألباني في "صحيح سنن الترمذي" (1/147) ، وحسنه محقق " جامع الأصول" (9/437).

([4]) حديث حسن .

أخرجه ابن خزيمة (2/228)، والحاكم في "المستدرك" (1/314) واللفظ لهما ، و أخرجه الطبراني في "الأوسط" (2/279 – مجمع البحرين) ؛ دون قوله :" وهي صلاة الأوابين" .

والحديث صححه الحاكم على شرط مسلم ، وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (حديث رقم 1994).

([5]) "مجموع الفتاوى" (22/284).

([6]) هذا هو ظاهر ما تدل عليه الأحاديث السابقة . "نيل الأوطار" (3/77).

أما الشيخ ابن تيمية ؛ فإنه رحمه الله بعد أن قرر اتفاق أهل العلم بسنته على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم على صلاة الضحى ، ثم قرر استحبابها ؛ قال :"بقي أن يقال: فهل الأفضل المداومة عليها؟ أو الأفضل ترك المداومة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟ هذا مما تنازعوا فيه . والأشبه أن يقال : من كان مداوماً على قيام الليل ؛ أغناه عن المداومة على صلاة الضحى ؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن كان ينام عن قيام الليل ؛ فصلاة الضحى بدل عن قيام الليل ". اهـ. "مجموع الفتاوى" (22/284).

قلت : لكن ظاهر النصوص استحباب المداومة على الإطلاق ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ؛ فهذا علة عدم مداومته عليه الصلاة والسلام، فتبقى النصوص على إطلاقها وقد أشارت إلى شيء من هذا السيدة عائشة رضي الله عنها. انظر: "جامع الأصول" (6/108-109).

([7]) قال الطيبي :" وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق ، وهي أول صلاة الضحى". نقله في "تحفة الأحوذي" (1/405).

قلت: وقد قدمت لك ذلك بأبسط من هذه الإشارة ؛ فانظر (1-4 صلاة الإشراق ).

([8]) حديث حسن لغيره .

أخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة ، باب ذكر ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ).

والحديث قال عنه الترمذي :" حسن غريب" اهـ، وحسنه بشواهد المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (1/406)، ووافقه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للترمذي (2/481) ، وحسنه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (1/182) ، وحسنه بشواهده محقق " جامع الأصول" (9/401).

قلت : ومن شواهده الحديث التالي .


([9]) حديث حسن .

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (8/174، 181، 209).

والحديث جود إسناده المنذري والهيثمي ، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/189) . وانظر: "مجمع الزوائد" (10/104).

([10]) قال النووي في "شرح مسلم" (6/30): "الرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس ؛ أي: حين يجد الفصيل حر الشمس ، والفصيل : الصغار من أولاد الإبل ". اهـ. وانظر: "نيل الأوطار" (2/81)

([11]) حديث صحيح .

أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب صلاة الأوابين حين ترمض الفصال، حديث رقم 748).

([12]) سبق قبل قليل تخريجه

([13]) سبق قبل قليل تخريجه

([14]) حديث صحيح لغيره .

أخرجه الترمذي في (كتاب الشمائل ، باب صلاة الضحى ، حديث رقم 273)

والحديث صححه لغيره في "مختصر الشمائل المحمدية" (ص156) ، وذكر شواهده وطرقه في "إرواء الغليل" (2/216).

([15]) فيه رد على من زعم أن هذه الصلاة هي صلاة الفتح وليست صلاة الضحى : انظر: "زاد المعاد" (3/410) ، و "عون المعبود" (1/497).

([16]) حديث صحيح .

أخرجه البخاري في مواضع منها في (كتاب التهجد ، باب صلاة الضحى في السفر ، حديث رقم 1176) ، ومسلم في (كتاب الحيض ، باب تستر المغتسل بثوب ونحوه ، حديث رقم 336) واللفظ له. وانظر: "جامع الأصول" (6/110).

([17]) أورد هذا الحديث الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/237) ، وقال :" رواه الطبراني في "الكبير" ، وفيه موسى بن يعقوب الزمعي؛ وثقه ابن معين وابن حبان وضعفه ابن المديني وغيره ، وبقية رجاله الثقات". اهـ.

قلت : موسى بن يعقوب صدوق سييء الحفظ ؛ كما في "التقريب" (ص 554) ، وقد أخرج البزار "كشف الأستار" (2/334) ما يشهد له عن أبي ذر ، أورده المنذري في "الترغيب" وحسن الألباني حديث أبي الدرداء و أبي ذر في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/279).

([18]) حديث صحيح .

أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب استحباب صلاة الضحى و أن أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات وأوسطها أربع ركعات أو ست والحث على المحافظة عليها ، حديث رقم 719) .

([19]) حديث صحيح .

تقدم تخريجه ، انظر : المسألة الثانية في (2-2-2).

=تنبيه : جاءت رواية لحديث أم هانئ المتقدم بلفظ :" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى سبحة الضحى ثمان ركعات ؛ يسلم من كل ركعتين "، وحديث أم هانئ أصله في "الصحيحين" ، ولكن بغير هذا اللفظ.

و أخرجه به أبو داود في (كتاب الصلاة ، باب صلاة الضحى ، حديث رقم 1234، 2/234).

وفي السند عندهما : عياض بن عبد الله ، والراوي عنه : عبدالله بن وهب؛ قال أبو حاتم عن عياض : "ليس بالقوي " وذكره ابن حبان في "الثقات" . وقال الشاجي: "روى عنه ابن وهب أحاديث فيها نظر". وقال يحيى ابن معين : "ضعيف الحديث". وقال أبو صالح : "ثبت ، له بالمدينة شأن كبير ، في حديثه شيء". وقال البخاري :" منكر الحديث". "تهذيب التهذيب" (8/201).

قلت: حديثه هنا يرويه عنه ابن وهب ، والظاهر من حال الرجل أنه لا يحتمل تفرده ، وهذا اللفظ تفرد به. والله أعلم .

والحديث بهذا اللفظ ضعفه الألباني في تعليقه على "صحيح ابن خزيمة" (2/234) ، وفصل في بيان علته في "تمام المنة" (ص258- 259)