كانت معركة عين جالوت في سنة 658هـ، بين المسلمين بقيادة سيف الدين قطز، وبين التتار بقيادة كتبغا، وكان سببها احتلال التتار للعالم الإِسلامي، وإِسقاطهم للخلافة في بغداد، ثم تهديدهم باحتلالِ مصر، وعزمهم الأكيد على ذلك.


تولي الشيخ العز بن عبدالسلام قيادةَ التجهيز المعنوي للمُسلمين، وتبعه بقية العلماء.


أفتى الشيخ العز بن عبدالسلام بأنَّه لا يسيغ للحاكم أنْ يأخذ من أموال الناس شيئًا، إِلاَّ إِذا تساوى الأمراء المماليك مع العامَّة في الملابس وأدوات الزِّينة من الذهب والفضة وغيرها، فإِذا تساووا، ولم يكن مع الأمير سوى فرسه، وما يلزمه من أدوات الحرب - ساغ للحاكم حينئذ أخذُ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء عنهم، وامتثل لذلك قطز؛ حيثُ بدأ بنفسه، فأخرج ما في بيته من أموال، ثُمَّ أخذ من الأمراء قبل أن يفرض الضَّرائب على الناس.


أرسل هولاكو وفدًا إِلى سيف الدين قطز يَحمل رسالةَ تهديد ووعيد، يخبر فيها بأنَّ سيوفهم صواعقُ ورماحهم مواحق، وأنَّهم لا يرحمون مَن شكا، ولا يرقُّون لمن بكى، واستشار قطز الأمراء من حوله فيما يجيب به التتار، فأشار مُعظمهم بالتلطُّف مع رُسِل هولاكو، ورجاء الاتفاق معهم على مال يُؤدُّونه جزية إِليه كلَّ سنة؛ حتَّى لا يهجم عليهم، وهنا غضب الملك المظفر غضبًا شديدًا، وصاح فيهم قائلاً: إِن الله - تعالى - يقول في كتابه: ﴿ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29]، وأنتم تريدون منَّا أن نعكس الآية، فنقول: حتى تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، ثم قام إِلى كبيرهم، فاختطف منه سيفه، وكسره على ركبته، ثم ألقاه أمامه، وهو يقول: إِنَّ السيفَ الذي يجبن حاملُه على القتال لخليقٌ أن يكسر هكذا، ويُلقى في وجه صاحبه، ثم أمر بإِحضار الرُّسل، فقتلهم وعلَّق رؤوسهم على باب زويلة فيما عدا واحدًا منهم أطلعه على ما حدث بزملائه، وأراه عرضًا عسكريًّا للجيش المصري، ثم قال: أخبر مولاك اللعين بما شاهدته من بعضِ قُواتنا، وقل له: إِنَّ رجال مصر ليسوا كمن شاهدهم من الرِّجال قبلنا، وسلّمه جوابًا مختومًا إِلى هولاكو برفض إِنذاره وتأهبه لملاقاته.


رأي قطز أنْ يبادر التتار قبل أن يبادروه، وأن يذهبَ إِليهم في الشام قبل أنْ يهاجموه، فأصدر تعليماته إِلى الأمراء والقُواد بدعوة أجنادهم للمسير إِلى الصالحيَّة، وتقدَّم هو بالمسير حتى نزل بالصالحية ينتظر تكامُل العساكر.


بعد تمام الاستعداد أرسل قطز حملة استطلاعية بإِمرة الظاهر بيبرس إِلى غزَّة، فانتصر على حملة تتارية كبيرة، وبَقِيَ يُناور التتار؛ كي لا يعلموا بتحرُّك الجيش الرئيس الذي يقوده قطز من مصر.


سار قطز مع السَّاحل الشمالي باتِّجاه عكَّا، وهدَّد الصليبيين إِن بدرت منهم أيَّة بادرة شر، وطلب منهم أن يكونوا على الحياد.


تقابل قطز وبيبرس، واستيقظ التتار على صهيل جيش المسلمين، تملأُ عليهم سهلَ البقاع، والتقى الجيشان في عين جالوت، وتدفَّق التتار إِلى ذلك الميدان، ودارت معركة عنيفة بين الطرفين.


قتل فرس قطز أثناء المعركة، فحارب على قدمه، ورفض أن يأخذ فرس أحد الأمراء بعد عرضه عليه، قائلاً: "ما كنت لأحرم المسلمين نفعك"، ولم يزل كذلك حتى جيء إِليه بفرس.


ألقى قطز بخوذته عند احتدام القتال، وصاح: "وا إِسلاماه".


قُتل كتبغا، وأُسر ابنه أثناء المعركة، وأمر قطز الأمير بيبرس باتِّباع الفارِّين، فاتَّبعهم حتى وصل حلب، وهرب مَن كان في دمشق من التتار، وتَبِعَهم المسلمون من أهل دمشق يقتلونهم، ويستخلصون الأسرى من بين أيديهم.


انتهت المعركة، وتهلَّلت وجوه المسلمين فرحًا واستبشارًا بهذا النصر العظيم، الذي لم يسكرهم ولم يطغهم، بل خَرَّ الملك المظفر ساجدًا لربه، وأطال السجود، ثم رفع رأسه والدموع تنهمر على لحيته، حتَّى سلَّم من صلاته، فاعتلى صهوة جواده، وخطب في جيشه قائلاً: "أيها المسلمون، إِياكم والزَّهوَ بما صنعتم، ولكن اشكروا الله، واخضعوا لقُوَّته وجلاله، وما يدريكم لعل دعوات إِخوانكم المسلمين على المنابر في الساعة التي حملتم فيها على عَدُوِّكم من هذا اليوم العظيم يوم الجمعة، وفي هذا الشهر العظيم شهر رمضان - كانت أمضى على عدوِّكم من السيوف التي بها ضربتم، والرِّماحَ التي بها طعنتم، والنِّبال التي بها رَميتم، واعلموا أنَّكم لن تنتهوا من الجهاد، وإِنَّما بدأتموه، حتَّى تقضوا حق الإسلام بطرد أعدائه من سائر بلاده، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله".


ما أحوجنا إِلى ذلك النِّداء اليوم! فهل نحن مستجيبون، فاعتبروا يا أولى الأبصار