تكريم الإسلام للنفس الإنسانية – د. راغب السرجاني
(المقال منشور في صحيفة الأهرام المصريه )


لعل من المهم أن ندرك طبيعة النظرة الإسلامية إليالنفس الإنسانية بصفة عامة‏;‏ لندرك كيف تناول المنهج الإسلامي قضية غيرالمسلمين وكيفية التعامل معهم‏,.
وقد فصلت هذا الموضوع في كتابي‏(‏ فن التعامل النبوي مع غيرالمسلمين‏).‏إن النفس الإنسانية بصفة عامة مكرمة ومعظمة‏..‏ وهذا الأمرعلي إطلاقه‏,‏ وليس فيه استثناء بسبب لون أو جنس أو دين‏,‏ قال تعالي فيكتابه‏:
[‏ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم منالطيبات وفضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا‏][‏ الإسراء‏:70].‏

وهذا التكريم عام وشامل للمسلمين وغير المسلمين‏;‏ فالجميع مفضل علي كثيرمن خلق الله عز وجل‏,‏ وقد انعكس هذا التكريم العام علي كل بند من بنودالشريعة الإسلامية‏,‏ وهذا واضح في آيات القرآن الكريم‏,‏ وفي حياة الرسولصلي الله عليه وسلم‏,‏ وما أروع الموقف الذي علمنا إياه رسول الله‏-‏ صليالله عليه وسلم‏-‏ عندما مرت به جنازة يهودي‏!!‏


فقد روي الإمام مسلم أن قيس بن سعد وسهل بن حنيف كانا بالقادسية‏,‏ فمرتبهما جنازة‏,‏ فقاما‏,‏ فقيل لهما‏:‏ إنها من أهل الأرض‏(‏ أي‏:‏ من مجوسفارس‏).‏ فقالا‏:‏ إن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ مرت به جنازةفقام‏,‏ فقيل‏:‏ إنه يهودي‏,‏ فقال‏:'‏ أليست نفسا‏'.‏

ألا ما أروع هذا الموقف حقا‏!!‏

فقد زرع رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بهذا الموقف في نفوس المسلمينالتقدير والاحترام لكل نفس إنسانية علي الإطلاق‏;‏ لأنه فعل ذلك وأمربه‏,‏ حتي بعد علمه أنه يهودي‏,‏ رغم أن اليهود رأوا الآيات ثم لميؤمنوا‏,‏ بل إنهم اعتدوا عليه‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ بشتي أنواعالاعتداءات المعنوية والمادية‏,‏ ومع هذا فإن رسول الله‏-‏ صلي الله عليهوسلم‏-‏ يقف لجنازة رجل منهم ليس له فضيلة معينة‏.‏
إنه الاحترام الحقيقي للنفس البشرية‏..‏


ثم إن المسلم يعتقد أن الاختلاف بين الناس أمر حتمي‏!‏ يقول تعالي‏:

[‏ ولوشاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين‏][‏ هود‏:118].‏

وإذا علمت أن المسلم يعتقد أن الحساب يوم القيامة بيد الله‏-‏ عز وجل‏-‏وحده‏,‏ أدركت أن المسلم لا يفكر مطلقا في إجبار الآخرين علي اعتناقالإسلام‏,‏

قال تعالي‏:[‏ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنتتكره الناس حتي يكونوا مؤمنين‏],‏ يونس‏:99].‏

فمهمة المسلم ببساطة أن يصل بدعوته نقية إلي غير المسلمين‏,‏ أما ردودأفعالهم تجاه هذه الدعوة فلا يسأل عنها المسلم ولا يحاسب عليها‏..‏

قالتعالي‏:[‏ وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون‏*‏ الله يحكم بينكم يومالقيامة فيما كنتم فيه تختلفون‏][‏ الحج‏:69,68].‏

من هذا المنطلق‏,‏ جاءت أوامر الشريعة الإسلامية الخاصة بالعدل والرحمةوالألفة والتعارف‏,‏ وفضائل الأخلاق‏..‏ جاءت عامة تشمل المسلمين وغيرالمسلمين‏.‏


ففي شريعتنا الإسلامية تجد قول الله عز وجل‏:[‏ ولا تقتلوا النفس التي حرمالله إلا بالحق‏][‏ الأنعام‏:151],‏

والنهي هنا عام‏,‏ يشمل نفوس المسلمينوغير المسلمين‏;‏ فالعدل في الشريعة مطلق لا يتجزأ‏.‏

وفي مسألة العفو قال الله‏-‏ عز وجل‏:[‏ وسارعوا إلي مغفرة من ربكم وجنةعرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراءوالكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين‏][‏ آلعمران‏:134,133].‏

فالعفو من صفات المؤمن‏,‏ وهو عفو واسع يشمل‏'‏الناس‏'‏ كما ذكر ربنا سبحانه وتعالي‏.‏

بل أكثر من كل ذلك‏;‏ أنه عندما ذكر سبحانه وتعالي أمر العدل المأمور بهفي الإسلام حض وأمر أن يكون العدل حتي مع من نكره من الناس‏!!‏


قال تعالي‏:[‏ ولا يجرمنكم شنآن قوم علي ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوي واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون‏][‏ المائدة‏:8].‏


هذه النظرة غير المتناهية في الأخلاق تفسر لنا الأخلاق النبيلة التي كانعليها رسولنا‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-..‏ فقد كان متبعا للشرع في كل خطوةمن خطوات حياته مع أنه في زمان ندرت فيه أخلاق الفرسان‏,‏ وعزت فيه طبائعالنبلاء‏.‏


ومع النظرة الإسلامية المتقبلة للاختلاف فإن الرسول‏-‏ صلي الله عليهوسلم‏-‏ كان يرجو الإسلام حتي لألد أعدائه‏,‏ برغم شرورهم ومكائدهم‏;‏فيقول‏:'‏ اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك‏:‏ بأبي جهل‏,‏ أوبعمر بن الخطاب‏',‏ فكان أحبهما إلي الله عمر بن الخطاب‏.‏


إن التاريخ الطويل من الصد عن سبيل الله‏,‏ وفتنة المسلمين عن دينهم‏,‏ لميورث قلب رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ شعورا بالانتقام‏,‏ أو الكيدأو التنكيل‏,‏ وإنما شعر بأنهم مرضي يحتاجون إلي طبيب‏;‏ فجاءت هذه الدعوةلهم بالهداية وبالعزة والنجاة‏;;‏ لذا كان يحزن حزنا شديدا إذا رفض إنسانأو قوم الإسلام‏,‏ حتي وصل الأمر إلي أن الله‏-‏ عز وجل‏-‏ نهاه عن هذاالحزن والأسي‏..‏


قال تعالي يخاطبه‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:[‏ لعلك باخع نفسك ألا يكونوامؤمنين‏][‏ الشعراء‏:3].‏

ويقول أيضا‏:[‏ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات‏][‏فاطر‏:8].‏

ومع شدة هذا الحزن إلا أن الرسول‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ لم يجعله مبرراللضغط علي أحد ليقبل الإسلام‏,‏ وإنما جعل الآية الكريمة‏:[‏ لا إكراه فيالدين‏[‏ البقرة‏::256]‏ منهجا له في حياته‏,‏ فتحقق في حياته التوازنالرائع المعجز‏;‏ فيدعو إلي الحق الذي معه بكل قوة‏,‏ ولكنه لا يدفع أحداإليه مكرها أبدا‏.‏


إنها نظرة الرحمة والرعاية لا القهر أو التسلط‏..‏ وسبحان الذي رزقه‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ هذا الكمال في الأخلاق‏!‏
...............................