مررت ليلة أمس برجل بائس فرأيته واضعا يده على بطنه كأنما يشكو ألما ، فرثيت لحالته وسألته : ما باله ؟ فشكا إليّ الجوع ، فسكنت غيظه ببعض ما قدرت عليه ، ثم تركته وذهبت إلى زيارة صديق لي من أرباب الثراء والنعمة ، فأدهشني أني رأيته واضعاً يده على بطنه ، وأنه يشكو من الأم ما يشكو ذلك البائس الفقير ،فسألته عما به فشكا إليّ البِطنه ، فقلت : يا للعجب ! لو أعطى ذلك الغني ذلك الفقير ما زاد عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سقما ولا ألماً....

لقد كان جديرا به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته ، ويطفىء غلته , ولكنه كان محبا لنفسه، مغاليا بها ، فضمَّ إلى مائدته ما اختلسه من صفحة الفقير فعاقبه الله على قسوته بالبِطنة ، حتى لا يهنأ للظالم ظلمه ولا يطيب عيشه...

ليتني أملك ذلك العقل الذي يملكه هؤلاء الناس ، فأستطيع أن أتصور كما يتصوّرون ، حجّة الأقوياء في أنهم أحق بإحراز المال ، وأولى بامتلاكه من الضعفاء ، إن كانت القوة حجتهم عليه ، فلِمَ لا يملكون بهذه الحجة سلب أرواحهم كما ملكوا سلب أموالهم ؟؟؟؟

ما أظلم الأقوياء من بني الإنسان ، وما أقصى قلوبهم ، ينام أحدهم ملء جفنيه على فراشه الوثير ، ولا يقلقه في مضجعه أنه يسمع أنين جاره ، وهو يرعد برداً ، ويجلس أما مائدة حافلة بصنوف الطعام ، قديدِه وشوائه ، حلوه وحامضه ، ولا ينغص عليه شهوته علمَهُ أنّ بين أقربائه وذوي رَحِمِه من تتواثب أحشاؤه شوقاً إلى فتاة تلك المائدة ويسيل لعابه تلهفاً على فضلاتها. بل أنّ بينهم من لا تخالط الرحمه قلبه ولا يعقد الحياء لسانه ، فيظلُّ يسرد على مسمع الفقير أحاديث نعمته ، وربما استعان به على عد ما تشمل خزائنه من الذهب وصناديقه من الجواهر وغرفه من الأثاث والريش ، ليكسر قلبه وينغص عليه عيشه ويبغض إليه حياته ، وكأنه يقول له في كل كلمة من كلماته وحركة من حركاته :

أنا سعيد لأنّي غني
وأنت شقي لأنك فقير