بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الفساد واللامبالاة هل لهم من حلول ؟

يعيش العالم اليوم عامة والعالم الإسلامي خاصة، حالة من الفوضى والاضطراب، واضحة ظاهرة جلية لكل ذي عينين.
‏وتطالعنا أجهزة الإعلام بأخبار كثيرة وصور متعددة تقشعر منها الأبدان وترتجف لها القلوب وتدمع لها العيون.
وبلغ هذا الفساد وهذه الجرائم حدا جعل كثيرا من الناس في الشرق والغرب على حد سواء تعلو أصواتهم وترتفع ‏شاكية صارخة تطلب الخلاص .
ولعل كل هذا هو مصداق لقول الله تعالى:
"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ ‏أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" .
الروم 41
فهل يولد هذا الفساد نقيضه؟‏

‏المقصود من الفساد
والفساد المقصود في الآية يشمل نوعان .فساد عمل وفساد ‏مصائب عقوبة وجزاء .
اما الفساد الأول : فساد العمل فإنما هو المعاصى والشرور التي يرتكبها البشر من كفر ‏وفجور وإباحية وزنا وخمور ومخدرات وربا وأكل للأموال بالباطل وظلم وعدوان وقتل وسفك دماء .
وقد ظهر ‏فساد العمل هذا حتى رأينا في زماننا هذا الموبقات السبع تجتمع في شخص واحد كافرا كان أو مسلما وتصبح واقعا ‏معترفا به جهارا عيانا لا يشوبه حياء .
فإذا كانت الأديان كلها تقول للناس : " اجتنبوا السبع الموبقات"
فالحضارة ‏المعاصرة تقول للناس بملء فيها :
"تمتعوا بالسبع المغريات الزنا والقتل وغيرها .
وهكذا انطبق علينا اليوم قول الله ‏تعالى :
"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ".‏
أما النوع الثاني من الفساد المقصود في الآية فهو المصائب التي تقع في الكون وعلى البشر عقوبة وجزاء من الله ‏تعالى بسبب شرورالناس ومعاصيهم .
وقد قال الله تعالى:
" وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" .
الشورى 30
وقال :
"وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" .
السجدة 31
وقال :
"وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " .
الطور 47
وفساد المصائب هذا أنواع كثيرة ومن أمثلة المفسرين له قلة الزروع و كساد ‏التجارات وقلة المعاش .
ولعلنا نضيف إليها تلوث البيئة وخروق الغلاف الجوي وتسلط الجبابرة وطغيانهم وضعف ‏المؤمنين وإذلالهم .
والقائمة تطول .‏

رحمة الله في ظهور الفساد
ولكن من رحمة الله عز وجل من وفضله وحكمته :
" وإن الله بالناس لرءوف رحيم" ،
ما جعله الله في خاتمة هذه ‏الآية حين قال:
"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" .
‏فرحمة الله عز وجل في ظهور الفساد في الأرض تتجلى في أمرين .
الأمر الأول قوله " لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا " ‏‏.
فالمصائب والشرور والعقوبات التي تحل بالبشر كافرهم ومؤمنهم ما هي إلا بعض الجزاء .
كما قال تعالى:
"وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا"
فاطر 45
وقال :
"وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" .
الشورى 30
فلولا فضل الله ورحمتة لكان العذاب أشد وأشق وأكبر .
وإذا كان هذا العذاب الأدنى فما بال العذاب ‏الأكبر .
فإذا كنت أيها المسكين لا تطيق المصيبة الصغيرة فما بال الطامة الكبري .
يصيب أحدنا مثلا ألم بسيط في ‏جسده مثل وجع الضرس والأسنان فيسهر الليل وترتفع درجة الحرارة ويشكو صداع الرأس .
فإذا كان هذا وجع ‏الضرس وهو جزاء بعض ما كسبت فما بال عذاب الله الشديد في الأخرة مما جاءكم وصفه في القرآن من مثل قوله ‏تعالى :
(وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ).
إبراهيم 15-17

من هذه الآية وأمثالها تتبين للمسلم وتتضح له حقيقة ما يحدث في حاضره بل وما يحدث في مستقبله فإنه ما من شر ‏أو مصيبة إلا اثر من آثار الذنوب والمعاصي .
وهذا هو التفسير الإسلامي للتاريخ له شواهد حاضرة في عصرنا وله ‏شواهد كثيرة في سالف العصور والأزمان . ‏

ومن ذلك تتبين للمسلم بركة الدعاء :
"اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا"

الرجوع عن الفساد
أما الأمر الثاني من رحمة ‏الله عز وجل في ظهور الفساد ما قاله أيضا في خاتمة هذه الأية :
"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ‏النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" .
فظهور الفساد وذوق الناس لطعم مرارتة وكثرة آلامه وأضراره ‏وعموم البلوى به قد يكون سببا للناس لعلهم يرجعون عما هم فيه من المعاصى والذنوب فيكون رجوعم سبب في ‏تغيير الظلم ورفع العذاب وزوال الذل والاستضعاف .
وقد أكد الله عز وجل هذا حين قال :
" وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .
السجدة 21
فالمصائب تؤدب العباد وتنقلب النقمة نعمة وهذا أمر عجيب أن ‏يولد الله عز وجل من الشئ نقيضه .
أفرأيتم كيف يضج العالم الإسلامي بل العالم كله بالشكوى والاحتجاج وترتفع ‏الأصوات مطالبة بالإصلاح والخلاص. ‏
ولعل ظاهرة الرجوع إلى الله تعالى بسبب ظهور الفساد مثل قول الله عز وجل في فعل الفاحشة حين قال:
" وَالَّذِينَ ‏إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ‏وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ" .
آل عمران 135
‏ففي هذه الأية أن جنس فعلهم للفاحشة وظلمهم أعقبهم ذكرا لله عز وجل وأعقبهم ندما واستغفارا وإقلاعا وتركا ‏للمعصية فلم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون قبح المعصية ويعلمون أن ما فيها من لذه لا يسوى ما يلحقهم بعدها ‏من مرارات وآلام ومهانة وضياع في الدنيا قبل الآخرة .
وقد روى الإمام أحمد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ النَّبِيّ ‏صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر :
" اِرْحَمُوا تُرْحَمُوا وَاغْفِرُوا يُغْفَر لَكُمْ وَيْل لِأَقْمَاعِ الْقَوْل وَيْل لِلْمُصِرِّينَ ‏الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ .‏
‏ فسبحان الله الذي له في خلقه شئون .
فعلوا الفاحشة فأذكرتهم الله وظهر الفساد في البر والبحر فأحدث رجوعا لله ‏وسعيا للإصلاح والتغيير .
ونشهد هذا الرجوع إلى الله عز وجل من ظهور الفساد ماثلا أمام أعينا فنحن نشهد تحولا ‏وتغيرا في مواقف الغرب ما كان لأحد أن يحلم بها لولا ظهور الفساد ونشهد إصلاحا وعلوا للإسلام ما كان ليحدث ‏لولا ظهور الفساد .‏

فهل يعطينا ذلك الأمل والتفاؤل أن هذا الفساد وهذا الشر سيولد ما يغيره ويبدله فيقلبه خيرا وصلاحا؟
اللهم نعم!