كنت اسمع قبل ايام الى رجل من الناس يتكلم وينصح ولما عاينت منظره راعني شكله وآلمني سمته بل واوجع قلبي منطقه وقلت في نفسي لا عجب ان ينفر الناس اذا كانت هذه صورة من ينصحهم وهذه لهجة من يوجههم .فاين هذا بمظهره ومنطقه من صفات المؤمنين .واسمحو لي فمثل هؤلاء لا ينبغي لهم ان يتكلموا باسم الاسلام مطلقاً مهما بلغ علمهم..

وفي العادة فان الذي يتكلم نيابة عن كيان ما (دين – دولة – شركة – حزب ..الخ) يجب ان يكون ممثلا حقيقيا لهذا الكيان بشكله ومظهره ومنطقه وحتى حركاته وسكناته .

والذين يريدون ان يمثلوا الاسلام العظيم يجب ان يكونوا مؤمنين من نوع خاص ...

يجب ان يكونوا من اولئك الذين تشرئب لقدومهم الأعناق، وتشخص إلى طلعاتهم الأبصار، وتحييهم الأفئدة وتشيعهم الأرواح، محبوبون في كلامهم، وفي أخذهم وعطائهم، وفي بيعهم وشرائهم، وفي لقائهم ووداعهم.ترى منهم اللين في الخطاب، والبسمة الرائقة على المحيا والكلمة الطيبة عند اللقاء ، هؤلاء السعداء لهم دستور أخلاق عنوانه: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" فهم يمتصون الأحقاد بعاطفتهم الجياشة وحلمهم الدافئ، وصفحهم البريء، يتناسون الإساءة ويحفظون الإحسان، تمر بهم الكلمات النابية فلا تلج آذانهم، بل تذهب بعيدا إلى غير رجعة.فينسونها ولا يذكرون اصحابها بل ويشفقون عليهم ويدعون لهم بالهداية ، مخبتين الى الله تعالى دعواهم "اللهم اهدنا لاحسن الاقوال والافعال لا يهدي لاحسنها الا انت" ، شعارهم "اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه" ، هم في راحة نفسية وطمأنينة ، والنّاس منهم في أمن، والمسلمون منهم في سلام ، تمثلوا امر الحبيب صلى الله عليه وسلم وامتثلوا له "إن الله أمرني أن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني" ، واذا ما اوذوا او ظلموا تذكروا "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس" يحسبهم البعض اغبياء ويراهم اخرون طيبون اكثر من اللزوم ، ولكنهم في الحقيقة عايشوا أمن الطمأنينة والسكينة فلم يروا له بدلا ولم يرضوا عنه حولا .

هذا النوع من المؤمنين هو الذي يجب ان يمثل الاسلام وان يتكلم باسمه وكلنا يستطيع ان يكون من هذا النوع ان اراد فرسالة الاسلام لا تنفك تزرع الرفق والطيبة والطمانينة في النفوس ومن وجد غير ذلك فليتعرف الى الاسلام من جديد وليراجع ايمانه..

واذكر هنا "هند امرأة أبى سفيان " التى أكلت كبد حمزة (رضي الله عنه) ونالت من الإسلام ما نالت، إنها كانت لا تعرف رسول الله ، فلما عرفته واقتربت منه وآمنت به قالت له هذه الكلمات: " يا رسول الله : والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب أن يذلوا من أهل خبائك!! وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلى أن يعزّوا من أهل خبائك "

فقل لي بالله عليك مالذي غير امراة تاكل كبد الرجال لتقول هذه المقولة لابن اخ من اكلت كبده.. ؟؟

إنه نبع المودّة الدافق من قلب الرسول الكريم الذي بدل القلوب من حال إلى حال، فهلا تعلمنا اليوم من نبينا ان نؤلف بين القلوب بدل ان نفرق وان نبشر بدل ان ننفر ..

لقد ورثنا ثروة كبيرة من الآداب النفسية والاجتماعية، يتدبرها المرء فيتساءل: إلى أى أفق من الكمال والسناء ترفعنا هذه النصوص لو أننا اعتصمنا بها وحولناها إلى مسالك حية ؟

وخذ هذه النماذج السريعة:
قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل ليعطى على الرفق ما لا يعطى على الخرق، وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق، ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير".

وقال: " تبسمك فى وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، وإرشادك الرجل فى أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك فى دلو أخيك لك صدقة وبصرك للرجل الردىء البصر لك صدقة ".
وقال: " والذى نفسى بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا "

ففي الوقت الذي استتر فيه غيرنا بجمال الهندام وعذب الكلام ولطيف الالفاظ ورقيق المعاني عمدنا نحن الى فقدان الرفق فى القول والعمل وشيوع القسوة حتى لم يعد يتخيل الناس ان يروا شخصاً من سماته الرفق وحسن السمت والمنطق والالتزام مجتمعة معاً مع انها وغيرها من صفات الشخصية المسلمة التي كان من هديه صلى الله عليه وسلم ان زرعها في نفوس اصحابه.

وبلغ بنا الامر أن صرنا نقدم ديننا للاخرين باقسى الالفاظ واغرب الاساليب وابشع المظاهر حتى انفض الناس واحجموا وابتعدوا ثم رحنا نتساءل بكل بلاهة لماذا وكيف..؟

فهلا قدّرنا ديننا وما ندعو له وقدمنا معروفا لانفسنا وغيرنا بأن نتواصى بان لا نظهر الى الناس الا بأحسن سمت وأجمل طلعة ، وان لا نتحدث عن ديننا الا بأجمل والطف لهجة وقد احسنا اختيار الفاظنا وعباراتنا حتى لا ينفر الناس من هذا الدين وليقبلنا الناس ويقبلوا منا....