السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عندى موضوع فى غاية الخطورة وهو

عن سواد القلوب

يقولون إن الذي يعجز عن نسيان الإساءة (قلبه أسود), وأقول, إن عدم النسيان هذا لا يشير دائماً إلى سواد القلب, فبعض الأشخاص يستطيعون رد الإساءة بمثلها في وقتها, وهؤلاء يأخذون حقهم بأيديهم قولاً أو فعلاً, وبعضهم يختزنها في أعماقه لفترة, يتحين الفرص لكي يرد الإساءة, فإذا ما تهيأت له الفرصة المناسبة رد الإساءة بمثلها وربما بأكبر منها, والبعض الثالث يتغاضى عن الإساءة, يتناساها متعمداً, يلقي كل شيء وراء ظهره, وينظر إلى الأمام دائماً, واثقاً من أن (التطنيش) نعمة من الله عز وجل تريح القلب والأعصاب والنفس عموماً.. أما النوع الأخير, فهو ذلك النوع الذي تجرحه الإساءة, تؤلم مشاعره وتكسر قلبه, لكنه لا يرد وقتها ولا يرد بعدها, كما أنه لا يستطيع تجاهل آثارها المطبوعة في قلبه أبد الدهر.. فالألم يحفر خطوطه في أعماق نفسه, والإساءة تظل على مدى السنين والأيام ماثلة أمام عينيه, مستيقظة في عقله وقلبه, لكنه لا يقوى على الدعاء على من أساء إليه, ولا يشمت به في حال تعرضه لأي بلاء, كما أنه يترفع عن إلحاق الضرر به لو تهيأت له الفرصة, ومع ذلك فهو لا ينسى.. لا يستطيع أن يجرد نفسه من مشاعر الأسى والألم والغضب في مواجهة من أساء إليه, يشعر بأنه لم ينتصر لنفسه التي تعرضت للإساءة ظلماً, لذا فهو يعجز عن بذل مشاعر الود أو الحب لمن أساء إليه.. هذه الحالة لا تعبر من وجهة نظري عن قلب أسود البتة.. بل أعتقد أن صاحبها على حق.. ومن الخطأ أن نلون قلبه بالسواد رغماً عنه, فالشعور بالظلم يولد شعوراً بالقهر, والقهر قد يدفع الإنسان إلى القيام بأي عمل غير محمود, فإذا تمكن الإنسان, أي إنسان من مقاومة القيام بذلك العمل غير المحمود فلا أقل من أن يظل شعوره بالظلم يملأ نفسه رغماً عنه, فهل نلومه على ردة فعله التي تعجز فقط عن النسيان لا أكثر!!
بالرغم من كل ذلك.. يظل هناك.. موقف قد يتجاوز بعظمته كل المواقف في مواجهة الإساءات, وهو موقف التعامل مع الله عز وجل في كل الأمور وجعلها خالصة لوجهه الكريم, مما يعني تلمس الأجر الذي خصصه لمن عفا وأصلح, حيث نستطيع بتخيل حجم ذلك الأجر وأبعاده أن ننسى كل الإساءات, وأن نسقطها من نفوسنا عامدين متعمدين, طمعاً في ثواب أكبر وعفو لا ينقطع بإذن الله