لو أنّ الدمعَ يمحو الأخطاءَ ؛
لو أنّ الندمَ يجدي شيئــًا ؛
لو أنّي متّ قبل أن يحدث مــا حدثْ ..)

فقط ، قبلَ الهربِ برجفتين ِ ، التهمتُ الشريط الرماديّ و أمسكتُ بطنِي بقوّة ٍ فشقّتْ صدري زفرة ٌ .
كان المطر يهطلُ بغزارةٍ .. و أمّي ماتزالُ مستيقظــةً فـصوتُ مذياعهـا الخافتُ يصلُ إليّ ..سمعتُ الأذكار التي يردّد والدِي كلّ ليلة ٍ قبل أن ينامَ فبدتْ لي بإيهابٍ آخرَ .. و لأول ِ مرة ٍ ميزْتهــا حرفاً حرفاً و طهراً طهراً و المطرُ يزدادُ غزارة ً بداخلِي ..،

كان الهاتفُ يرنُّ بجنونٍ و أنـا أطلِي أظافري ، ثمّ رنّ من جديدٍ و أنـا أتأكّدُ من أنّ الشَّعرَ الأشقرَ الزائدَ مثبّتُ جيدًا برأسي ، و في المرةِ الثالثة ِ أجبتُ : " سأخرجُ بعد دقائقَ " ...

كانتِ الحاديَ عشرَةَ ليلاً .. حملتُ حقيبة يدِي الصغيرةَ .،لم يكنْ هناك من أحدْ ؛ تنفسّت الصعداءَ و نزلتُ إلى الشارع ِ لتـحملـّنِي التاكسي إلى المطعم ِ و إليهْ .؛ كان هناكَ خرافِيَّ المظهر ، بهيّ الطلة ِ .. رتـَّبْتُ أنفاسي و سيطرتُ على حركة ِ شفاهِي فيما كنتُ أخلعُ الشالَ الكحليَّ عن كتفيّ .. مددتُ يدِي فقبّلــَهـا.

لم أعدْ أسمعُ صوت المذياع ِ و لا صوتَ والدِي منذُ اشتدّ عليهِ المرضُ ما عادَ قادراً على السهر ِ .. ينامُ بعد صلاة ِ العِشاء لِينهضَ قبلَ صلاة ِ الفجر بساعة ٍ .، هكذا اعتادَ و هكذا ضبط إيقاعَ البيت على ساعة ِ معينة ٍ ليغرقَ في الصمتِ مباشرة ً بعد نومِهِ .
لستُ قادرة ً على الذهابِ إلى غرفتهِ لأطمئنّ عليهِ و اليومَ بالذات ِ ، فمنذُ صفعة ِ البارحةِ و أنـا في غيبوبة ٍ تــامّة ٍ أستفيقُ منهــا كلّ رعشةٍ مفزوعة ً أكادُ أصرخُ ، أفتحُ نافذة َ غرفتِي لِيلسعَنِي بردُ ينايرَ ؛ ثــمّ أغلقُهـا و أعلقُ بصري إلى السقفِ المثقوب ِ و لا أنــامْ ؛ و هذا الصباحُ كنتُ أدفنُ وجهِي في " الندمِ " مخافةَ أن ينكشفَ أمري ، ...
لعل ّ قلبَ أمي الاَن يصلّي بصمتٍ لأجلِي و أنــا لا أعلمْ ! مازلتُ لا أعلمُ الكثير عن أمّي و لا أختِي و لا عن والدِي .. منذُ عرفتُهُ صرتُ أكثرَ غيابــًا عن البيت ِ و اعتزلتُ الجميعَ .

و تمامــًا قبلَ شهر ٍ و يومينْ كانَ جسدي ملكــًا لي .. و الآن لا أملِكُ إلا أن أهبَهُ أية مقبرة ٍ فــأدفنَ فيه ِ و معهُ كلّ الأحلام ِ .

مسحتُ الكحلَ من عينِي و وضعتُ على رأسي شالَ أختي " مــا أنقااهْ ! " ،

كان المطرُ قد توقفَ و قلبي جفلَ .. عمّ الصمتُ أخيراً أرجاءَ البيتِ ، تأهّبتُ للخروج ِ . اِلتفتُّ إلى الصالة ِ ثمّ إلى غرفة ِ والديَّ ، و كانَ آخرَ شيءٍ رأيتهُ قبلَ أن ْ أغلقَ البابَ برفق ٍ بالغ ٍ آيــةُ الكرسيّ المعلقة ُ على الحائطِ .


19:07
12 نونبر 2009

..؛