كانت تندب حظها العاثر ولعنة مُدوية كل ليلة بسبب تركها بلدتها الصغيرة الهادئة والسفر لبلدة أخرى مُزعجة رغبة لإكمال دراستها الجامعية والسبب هي النافذة !
حرمتها لذة الهدوء وبات السهر رفيق لها
كانت تطل على الشارع العام ورغم أن اسمها أحلام لم تنعم يوماً براحة المنام بسبب الضوضاء وضجيج السيارات وأصوات المارة من هنا وهناك .
خاصمها النوم منذ عام عُمر إقامتها في منزل للإيجار ، كانت حياتها عادية في الصباح حتى بعد الظهر يكون من نصيب الحرم الجامعي وبالليل تارة بالمكتبات وتارة أخرى في أنحاء غرفتها
كانت أحلام انطوائية وليس لها هاجس إلا التفوق الدراسي بأفضل المقاييس التي تطمح لها وكانت علاقاتها بسكان المنزل علاقة سطحية بين السلام والتحية وآخر الشهر .!
وكانت تسمع رذاذ كلمات بأن لهم ابن مُسافر هذا كان حدود معرفتها .
وذات مساء وكالعادة في عُقر الضوضاء لمحت من النافذة سيارات وأصوات على غير عادة كان الإزعاج وصل ذروته .! حتى علمت أحلام بعودة ابنهم المسافر ...
كانت كل صباح تسرق نظرة خاطفة من النافذة حتى تجد ابن الجيران جالس في الحديقة ولا تفارقهُ البسمة من ملامحه الهادئة وتبقى لمعة عيونه متأملة سحر الطبيعة
تلك التفاصيل شدت انتباهها .!
لم يكن من السهل على أحلام رؤية جمال مدفون خلف لعنة يومية وضيق أنفاس ورتابة وجدان ولكن كلما شاهدت ابن الجيران فتح لها آفاق كانت غائبة عن وعيها و رسم لها شارع آخر في الروح ونفس المشهد الصباحي يتكرر وكان كفيل أن يزرع لها بذرة فضول ..!
لماذا لا يذهب إلى العمل أو الجامعة .؟! فقد كان عمره مقارب لعمرها كما كان واضح من الشكل وفي شرود فضولها سمعت صوتاً يناديه باسم باسم
آه إذا اسمهُ باسم وكم راق لها الإسم خاصة مع ابتسامته المعهودة التي تراها كل صباح قبيل ذهابها إلى الجامعة .
بات صباحُها مُطرز بكل الألوان ترى الجمال بكل أصنافه من روح باسم وتحسهُ وتستمتع به من خلال عيون باسم و من دفء الشمس المُنسكبة ونسمة عبير عابرة ورائحة أزهار عبقة ولكن .!
لم تكف بذرة الفضول عن الثرثرة في نفسها لماذا لا يذهب إلى العمل أو الجامعة كل صباح أسوة بباقي أخوانه وأخواته .!
حتى قررت أن تفك طلاسم هذا اللغز و تُضحي بيوم واحد بألا تذهب للجامعة وترى كيف يمضي باسم يومه .؟
واستيقظت في الصباح و كان باسم يرتشف قهوته الصباحية في الحديقة مُبتسماً متأملاً الحديقة
كانت جنة صغيرة رائحة الياسمين تملأ الأرجاء و كثافة الأشجار غطت المكان والزهور بشتى الألوان منثورة و مُمتدة على أحواض شاسعة والنسيم العليل لا يُفارق باحة الحديقة فكان منظر روعة للناظر .
فكرت أحلام بكذبة صغيرة حتى تذهب للحديقة وألقت التحية على سيدة المنزل واستأذنتها بأن لديها بحث عن النبات وتريد تطبيقه عملياً حتى تكون بالقرب من باسم ومعرفة سره الصغير .!
فرحبت بها أم باسم ترحيباً كثيراً وقالت لها تعالي حتى تتعرفي على ابني الذي كان مُسافر لم تتمالك نفسها وهي ترى بذرة فضولها تتلاشى رويداً رويداً وكان لها ما أرادت واقتربت من باسم وهمت بالمُصافحة ولكن مع مُساعدة والدته ..!
منظر أكبر من الفضول ومشهد لن يتكرر في ذاكرتها وأحاسيس كثيرة ازدحمت في صندوق نبضها لأن باسم كان شاب أعمى .... انتابتها رعشة وغطت جسدها قشعريرة ولمعت عيناها ولم تجد نفسها إلا وهي تجري نحو غرفتها حتى وصلت لها وارتمت في أحضان سريرها .!
وباتت التساؤلات تضج في ذاكرتها لم تكن الشفقة واردة في ذهنها بل إرادة هذا الأعمى وتصالحه مع نفسه وإشراقة يملكها وهي من تملك بصرها تفتقدها .!
آآآآآه زفرتها وشكرااااااً رددتها لتلك النافذة التي كانت منبوذة منها يوماً ما
فقد خلقت أحلام جديدة بكل ذرة في كيانها لأنها ظلت عمياء عام كامل عن جمال مُجتمع حول جهاتها لهذا ستظل ممتنة دوماً للنافذة .
وقد علمت فيما بعد بأن لـ باسم عمل خاص يُلائم وضعه ويمارسه في منزله .
ومنذ ذلك الوقت قررت أحلام أن تتصالح مع نفسها وتتلاءم مع وضعها
حتى ترى الجمال الشاسع من حولها...

: تمت :

خارج إطار النافذة .!

أحياناً يكون الجمال بين أيدينا ولا نراه بسبب متاهة الصخب .!
أتمنى أن لا يسرقنا هذا الصخب حتى لا نُدرك مُتأخراً ضياع جمال ما كان بين أيدينا .!



بقلم أنثى الوجع
11 /11 / 2009