ٍٍ طفلة مقدسية ٍٍٍ

التقينا ليس صدفة، بل في مخيم خصص للأطفال، وبدأنا ما يسمونه كسر الجليد
ونحن نسميه التعارف، ثم طلبت المرشدة من كل واحدة منّا أن تتكلم عن مدينتها وماذا تعني لها؟؟
فتحدثت رباب عن بغداد .. ووصفت جرحها النازف وتحدثت كيف يعتصر نهري دجلة والفرات ألماً على أطفال العراق .. بغداد الجريحة.
وتحدثت ساره عن بيروت .. ومريم عن عمان .. وكوثر عن تونس ..
فانطلق لساني للحديث عن القدس .. فقلت لهن : ان القدس تعني اشارة قف عند مفترق المعاني .. انها تعني أسوار كنعان القديمة .. فيها تقاسم الانبياء تاريخهم المقدس، وكانوا يصعدون الى السماء ويرجعون اقل احباطا وحزنا، ويبشر بالمحبة والسلام، انهم قادمان لا محالة.
فالقدس تنبت الكلمات فيها كالأعشاب، فيها يعانق الهلال الصليب مرتكزا على العهدة العمرية، فحين تمشي في حواريها وأزقتها، كأنك تسير من زمن الى زمن, ومن قمر الى قمر، والذكرى بوصلة تصوبك نحو حرف الضاد، حينها تشعرين وكأنك حواء ثانية تتعلمين القراءة والكتابة من خطيئتك، ومستقبلك سيبدأ من هنا.
قالت رباب: أنت بطله.
فأجبت : لا أريد ان أكون بطلة ولا ضحية، بل أكون طفلة كباقي الاطفال أتمتع بطفولتي وأعيشها وأنزع الخوف من داخلي، وتغيب صور كريهة من مخيتلي، حواجز وجدار فصل، وجنود وأعلام دخيلة، وبحركة عفوية رفعت يدي كما هي هامتي وبإشارة النصر الجريح قائلة : نحن أطفال فلسطين مزروعين في القدس كأشجار الزيتون، ونقطف الثلج من أشجار سرو المسيح، ونلعب مع الملائكة الصغار وكأننا أبناء جيل واحد، نتسرب من المدارس هروبا من الرياضيات والتاريخ القديم، ونلعب مع الجنود لعبة الموت البريء، ونقول للجنود ضعوا البنادق جانبا، كي نجد أنفسنا كالفراشات قرب المصباح، وكي نطير مع الفراشات خارج الاحلام، ولكن أحلامنا ضيقة محاصرة بين جدار ومستوطنة.
قالت ساره: حدثيني أكثر.
فقلت : ان الطهر يولد في القدس، فكوني فلسطينية لتصبحي طاهرة مطهرة، نعم ان القدس تفُض بكارة العواصم، وتعيدها الى تاريخها بِكرا.
فسألتُ ساره: ألم تسمعي عن الصمود الفلسطيني في بيروت؟ حيث نطق الحجر والشجر في أزقة المخيمات اللبنانية، وذبحت الطفولة في صبرا وشاتيلا؟
وأنت يا مريم ألم تسمعي عن أيلول الاسود .. حين ذبحت الكرامة العربية؟
وأنت يا كوثر : ألم تسمعي عن حمام الشط وعن الشهيد ابو جهاد؟
ودار الحديث بيننا الى ان قرع المرشد جرس الفرصة، وفي أثناء تجوالي في أروقة المخيم، سمعت عن أطفال اخريات من فلسطين.. وشعرت بجاذبية غير معهودة، تشدني الى هؤلاء الاطفال، ويملأ صدري شغف الى الحديث معهم، حيث توجهت اليهم وتعرفت على يسرى، وهدى، وابتسام، حينها أدركت هول الكارثة ان اجيال فلسطينية تعيش في فلسطين محرومين من القدس .. والقدس محرومة منهم!!

ألا يكفي ان الملايين من الاطفال العرب المسلمين محرومين من هذه المدينة التي ذكرها الله في كتبه السماوية الثلاث؟؟ وكانت مهبط الافئدة لملايين البشر وقبلتهم نحو السلام الذي سميت باسمه فهي مدينة السلام والمحبة.
وتراجعت عن الاسهاب في الحديث عن القدس لانني قرأت في عيون المرشدة جمل استغراب وحزن او شفقه، وأكملت .. فلسنا بحاجة للمزيد من الحزن والمشاعر، بل نحن احوج ما نكون لأي شيء يسهم في كسر الحصار عن القدس ولو باغنية للقدس، أو رسمة عن القدس، أو قصيدة للقدس، أو طلقة نحو القدس.
وفجأة وقفت المرشدة وكأن وجهها يكاد ينفجر من شدة الاحمرار ونادتني وقالت: فليكن اسم مخيمنا هذا.. مخيم القدس وفاءا لها وحبا لأهلها.

بقلم \ pal angel